اداب الغناء في مصر القديمه
لا يمكن للموسيقى أن تنشأ وتزدهر في مجتمع إلا إذا كان المجتمع مهيئاً لذلك. ولكي نتعرف على طبيعة المجتمع المصري القديم الذي احتضن الموسيقى والغناء والرقص كما احتضنت غيرها من الفنون كالعمارة والنحت والنقش والرسم وصناعة الورق والصناعات الحرفية ....الخ، فأود أن أشير إلى النقاط التالية:
كان المجتمع المصري مستقراً إلى حد كبير، فأرض مصر محاطة بحدود طبيعية آمنة، صحراوات في الشرق والغرب وبحر (البحر المتوسط) في الشمال، والجنادل في الجنوب تمنع الغزاة من المرور عبر نهر النيل.
ثم هناك الأرض المنبسطة دون حواجز تذكر، والمناخ المستقر، والمصدر الثابت للمياه (نهر النيل)، والموقع الجغرافي المتميز الذي ربط مصر بالدول التي قامت فيها حضارات.
كل هذه العوامل بقدر ما أدت إلى الاستقرار، فقد أدت إلى نشأة الموسيقى والغناء وازدهارها. فالمجتمع المستقر الآن اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، لابد أن يستقر وجدانه، وتستقر أحاسيسه، ومن ثم تجيء الموسيقى، ويجيء الغناء لينمو ويزدهر ويحرك مشاعر المجتمع الآمن.
استقر المجتمع المصري بعدما استأنس الحيوان وأوقد النار وعرف الزراعة. والمجتمع الزراعي لا يمكن أن تغيب عنه الموسيقى والرقص والغناء، فالفلاح المصري قديماً وحديثاً كان يستمع للموسيقى والغناء وهو يحرث الأرض ويزرع ويحصد. وكانت الحيوانات التي تستخدم في الزراعة تحاط رقابها بطوق فيه بعض الأدوات التي تحدث موسيقى.
وعندما بدأت المنشآت المعمارية كالمعابد والمقابر، وبدأ النحاتون والنقاشون والرسامون يمارسون عملهم، وبدأ كذلك أصحاب الصناعات الحرفية، كانت الموسيقى وكان الغناء يصاحبان الفنانين والعمال والحرفيين وهم يؤدون عملهم.
إن المجتمع المصري متدين بالفطرة، وقد حدد لنفسه فكراً دينياً واضحاً، آمن بحياة ما بعد الموت، وعبد أرباب وربات، وأصبحت لديه تقاليد واضحة في الطقوس الدينية والعبادات. وأصبحت لديه الكثير من الأعياد والمناسبات الدينية، فازدهرت الأناشيد الدينية، ومن ثم ازدهر الإنشاد (الغناء) الديني والرقصات الجنائزية. ومن ثم فقد ازدهرت الموسيقى الدينية كما ازدهرت الموسيقى الدنيوية.
كان المجتمع المصري متوازناً إلى حد كبير من حيث القوى البشرية، فهو مجتمع الذكر والأنثى، ومن ثم فقد شاركت المرأة مع الرجل في عزف الموسيقى، وفى الرقص والغناء.
وكانت العلاقات الأسرية قوية إلى حد كبير، فالاحترام متبادل بين أفراد الأسرة، والحقوق والواجبات واضحة، والود يجمع بين أفرادها، ومن ثم ازدهر أدب الغزل والحب فازدهرت الموسيقى وازدهر الغناء.
ومن دلالات اهتمام المجتمع المصري بالموسيقى أن جعلوا لها إلهة لها دور كبير في الديانة المصرية هي (حتحور). وكان لبعض الآلات الموسيقية (وخصوصاً السستروم) دور في الطقوس الدينية.
وكان هناك ربٌ للمرح هو المعبود (بس).
واهتم المجتمع المصري بحرفة الصيد البرى والأسماك، والطيور، وهى حرف صاحبتها الموسيقى والغناء.
كما اهتم المصري بركوب نهر النيل، بما يجعله يعايش جواً شاعرياً، ويشم النسيم العليل، ويشاهد المناظر الطبيعية الخلابة، مما أوحى له بالموسيقى والغناء.
واهتم المصريون بالتنزه في الأماكن الخلوية، والحدائق العامة، والاستمتاع بالزهور في كثير من المناسبات، وكانت الموسيقى وكان الغناء من العناصر الرئيسية في مثل هذه الأجواء.
وأحب المصري البيئة وحرص على نظافة كل ما فيها وعشق الجمال في كل شيء في هذه البيئة، فكان لابد للموسيقى والغناء أن ينموا في بيئة سليمة صحية.
وأحب المجتمع المصري المساحات الخضراء التي تزخر بالزهور والنباتات والأشجار ومن ثم الطيور والحيوانات الأليفة، مما أدى إلى ازدهار الموسيقى التي تحتضن الجمال.
وانفتح المجتمع المصري على العالم الخارجي، مما جعله يتعرف على موسيقى وغناء الآخرين.
عشق المصري للموسيقى جعله يبدع في صناعة أدواتها وتنوعها لتؤدى النغمات المتعددة.
وكان اهتمام الدولة برعاية الموسيقيين والمغنيين، حيث وصل بعضهم إلى مراتب عليا، وخصوصاً الذين يعملون في القصر الملكي وفى قصور كبار رجال الدولة. كما منحوهم الكثير من الهبات والهدايا مما شجع على ازدهار الموسيقى.
وتنوع طبيعة الأرض المصرية بين أرض سوداء وأخرى حمراء وبحار وأنهار وترع وبحيرات أدى إلى تعميق وجدان الإنسان، ومن ثم الاهتمام بالموسيقى.
لقد تعمقت جذور شجرة الموسيقى في مصر القديمة، وظلت شامخة تتوارثها الأجيال عبر كل العصور إلى أن وصل إلينا نحن المصريون في العصر الحديث بعضاً من هذه الموسيقى، الأمر الذي يعبر عن التواصل بين الماضي والحاضر.
ولأن الموسيقى هي رغبة إنسانية طبيعية لتعبير الإنسان عن ذاته ومشاعره وأحاسيسه منذ أصبح واعياً قادراً على إدراك ما حوله والإحساس بذاته وكيانه على الأرض بين المخلوقات الأخرى، متفاعلاً مع من حوله ككائن حي مؤثر- كانت الموسيقى وسيلة لتحقيق التواصل والتفاهم بين الإنسان ومن حوله بالشكل الذي لا تستطيع الكلمات ولا الإشارات تحقيقه مهما كانت بليغة ودقيقة.
لقد عرف المصري القديم الموسيقى منذ عصور ما قبل التاريخ، فالنـاي الطويـل (الفلـوت Flut) ظهر في نقوش ما قبل التاريخ، وعرف المصريون القدماء ’الـچنـك‘ (الليرا Lyre) منذ الأسرة الرابعة، وجعلوا من الربة ’حاتحور‘ معبودةً له

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق